المقريزي

924

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وكان بنو إسرائيل - منذ مات لاوي بن يعقوب في سنة أربع وتسعين لدخول يعقوب مصر « 1 » - في البلاء مع القبط ، وذلك أنّ يوسف - عليه السّلام - لمّا مات في سنة ثمانين من قدوم يعقوب مصر ، كان الملك إذ ذاك بمصر دارم بن الرّيّان - وهو الفرعون الرّابع عندهم ، وتسمّيه القبط دريموس - فاستوزر بعده رجلا من الكهنة يقال له بلاطس ، فحمله على أذى الناس ، وخالف ما كان عليه يوسف « 2 » . وساءت سيرة الملك حتى اغتصب كلّ امرأة جميلة بمدينة منف وغيرها من النواحي فشقّ ذلك من فعله على الناس ، وهمّوا بخلعه من الملك . فقام الوزير بلاطس في الوساطة بينه وبين الناس ، وأسقط عنهم الخراج لثلاث سنين ، وفرّق فيهم مالا حتى سكنوا « 3 » . واتّفق أنّ رجلا من الإسرائيليين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه ، وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط ، وسألوا الوزير أن يخرج بني إسرائيل من مصر ، فأبى . وكان دارم الملك قد خرج إلى الصّعيد ، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيلي ، وما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر ، فأرسل إليه ألّا يحدث في القوم حدثا دون موافاته ؛ فشغب القبط ، وأجمعوا على خلع الملك وإقامة غيره . فسار إليهم الملك ، وكانت بينه وبينهم حروب قتل فيها خلق كثير ، ظفر فيها الملك ، وصلب ممّن خالفه بحافتي النيل طوائف لا تحصى ، وعاد إلى أكثر ممّا كان عليه من ابتزاز النساء ، وأخذ الأموال ، واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل فأجمع الكلّ على ذمّه . واتّفق أنّه ركب في النيل ، فهاجت به الرّيح ، وأغرقه اللّه ومن معه ، ولم توجد جثّته إلّا عند شطنوف « 4 » . فأقام الوزير من بعده في الملك ابنه معاديوس ، وكان صبيّا - ويسمّيه بعضهم معدان - فاستقام الأمر له ، وردّ النساء اللاتي اغتصبهن أبوه ، وهو خامس الفراعنة . فكثر بنو إسرائيل في زمنه ، ولهجوا بثلب الأصنام وذمّها « 5 » .

--> ( 1 ) يتّفق هذا التاريخ مع ما جاء في سفر التّكوين بالتّوراة ، فقد كان عمر يوسف - عليه السّلام - عندما جاء يعقوب - عليه السّلام - وأسرته إلى مصر تسعة وثلاثين عاما ، وكان لاوي يكبره بأربع سنوات أي أنّ عمره كان ثلاثة وأربعين عاما ، فيكون قد أمضى في مصر أربعا وتسعين عاما ، وهو ما يتّفق مع ما جاء في سفر الخروج 1 / 6 - 9 . ( 2 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 127 ، وفيما تقدم 1 : 384 - 385 . ( 3 ) نفسه 15 : 128 - 129 . ( 4 ) نفسه 15 : 129 - 130 . وانظر عن قرية شطنوف وتحديد موضعها ، فيما تقدم 1 : 166 ه 1 . ( 5 ) نفسه 15 : 130 ؛ وفيما تقدم 1 : 385 .